عبد الرحمن السهيلي

59

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

عليه وسلم بفرس . وقال بإباحة لحوم الخيل الشافعي والليث وأبو يوسف وذهب مالك والأوزاعي إلى كراهة ذلك ، وقد روي من طريق خالد بن الوليد أنه عليه السلام نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية والبغال والخيل ، وقد خرجه أبو داود ، وحديث الإباحة أصح غير أن مالكاً رحمه الله نزع بآية من كتاب الله ، وهي أن الله جل ذكره ذكر الأنعام ، فقال : « ومنها تأكلون » ثم ذكر الخيل والبغال والحمير فقال : « لِتَرْكبُوها وزِينَةً » هذا انتزاع حسن . ووجه الدليل من الآية أنه قال : « والأنعامَ خَلَقَها لَكُمْ فيها دِفْءٌ ومَنَافِعُ » النحل فذكر الدفء والمنافع والأكل ، ثم أفرد الخيل والبغال والحمير بالذكر ، ثم جاء بلام العلة والنسب ، فقال : لتركبوها ، أي : لهذا سخرتها لكم ، فوجب أن لا يتعدى ما سخرت له ، وأما نهيه يوم خيبر عن لحوم الجلالة وعن ركوبها ، فهي التي تأكل الجلة وهو الروث والبعر ، وفي السنن للدارقطني أنه عليه السلام نهى عن أكل الجلالة ، حتى تعلف أربعين يوماً ، وهذا نحو مما روي عنه عليه السلام أنه كان لا يأكل الدجاج المخلاة ، حتى تقصر ثلاثة أيام . ذكره الهروي . أحكام شرعية في البيع : وذكر في الحديث نهيه عليه الصلاة والسلام عن : بيع الفضة بالفضة ، وإباحة بيع الذهب بالورق ، فدل على أن الورق والفضة شيء واحد ، وقد فرق بينهما أبو عبيد في كتاب الأموال ، فقال : الرقة والورق ما كان سكةً مضروبةً ، فإن كان حلياً أو حليةً ، أو نقراً لم يسم ورقاً ، يريد بهذه التفرقة أن لا زكاة في حلي الفضة والذهب ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر الزكاة قال : في الرقة الخمس ، وحين ذكر الربا قال : الفضة بالفضة . قال المؤلف : وفي هذا الحديث الذي ذكره ابن إسحاق ، وفي أحاديث سواه قد تتبعتها ما يدل على خلاف ما قال ، منها قوله عليه السلام في صفة الحوض : يصب فيه ميزابان من الجنة أحدهما من ذهب والآخر من ورق ، وفي حديث عرفجة حين أصيب أنفه يوم الكلاب قال : فاتخذت أنفاً من ورق الحديث ، في شواهد كثيرة تدل على أن الفضة تسمى ورقاً على أي حال كانت . وقوله : بالذهب العين والورق العين ، يريد النقد ، لأن الغائب تسمى ضماراً ، كما قال ، وعينه كالكالئ الضمار ، وسمي الحاضر : عيناً لموضع المعاينة ، فالعين في الأصل مصدر عنته أعينه إذا أبصرته بعينك ، وسمي المفعول بالمصدر ، ونحو منه الصيد ، لأنه مصدر صدت أصيد ، وقد جاء في التنزيل : « لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأَنْتُمْ حُرُمٌ » المائدة فسماه بالمصدر ، ولعلك أن تلحظ من هذا المطلع معنى العين من قوله تعالى : « ولِتُصْنَعَ على عَيْنِي » طه فقد أملينا فيها ، وفي مسألة اليد مسألتين لا يعدل بقيمتهما الدنيا بحذافيرها . نكاح المتعة : فصل : ومما يتصل بحديث النهي عن أكل الحمر تنبيه على إشكال في رواية مالك عن ابن شهاب ، فإنه قال فيها : نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة يوم خيبر ، وعن لحوم الحمر الأهلية ، وهذا شيء لا يعرفه أحد من أهل السير ، ورواة الأثر ، أن المتعة حرمت يوم خيبر ، وقد رواه ابن عيينة عن ابن شهاب عن عبد الله بن محمد ، فقال فيه : إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل الحمر الأهلية عام خيبر ، وعن المتعة ، فمعناه على هذا اللفظ : ونهى عن المتعة بعد ذلك ، أو في غير ذلك اليوم ، فهو إذاً تقديم وتأخير ، وقع في لفظ ابن شهاب ، لا في لفظ مالك ، لأن مالكاً قد وافقه على لفظه جماعة من رواة ابن شهاب ، وقد اختلف في تحريم نكاح المتعة فأغرب ما روي في ذلك رواية من قال : إن ذلك كان في غزوة تبوك ، ثم رواية الحسن أن ذلك كان في عمرة القضاء ، والمشهور في تحريم نكاح المتعة رواية الربيع بن سبرة عن أبيه أن ذلك كان عام الفتح . وقد خرج مسلم الحديث بطوله وفي هذا الحديث أيضاً حديث آخر خرجه أبو داود أن تحريم نكاح المتعة كان في حجة الوداع ، ومن قال من الرواة كان في غزوة أوطاس ،